مبادرة الملك فهد للسلام عادت إلى الواجهة مع تجدد الدفع الدولي نحو حل الدولتين، ومع اتساع التحركات السياسية التي تقودها السعودية مع شركاء دوليين لدفع هذا المسار من مستوى التأييد النظري إلى مستوى التنسيق العملي. فقد أطلقت المملكة، بالتعاون مع شركائها في اللجنة الوزارية العربية الإسلامية المشتركة ومملكة النرويج والاتحاد الأوروبي، التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين في سبتمبر 2024، ثم استضافت الرياض الاجتماع الأول للتحالف في أكتوبر 2024، قبل أن تستضيف اجتماعًا تنسيقيًا رفيع المستوى في أكتوبر 2025، وصولًا إلى الاجتماع التاسع في بروكسل يوم 20 أبريل 2026 بمشاركة ممثلي 83 دولة ومنظمة دولية.
مبادرة الملك فهد للسلام لم تدخل هذا المشهد من باب الاستدعاء الرمزي وحده، بل من باب الجذر السياسي الذي سبق كثيرًا من العبارات المتداولة اليوم في النقاش الدولي. الأمير فهد طرح مشروعه في قمة فاس في 25 نوفمبر 1981 في صيغة من ثماني نقاط، ثم تبنته القمة العربية في فاس بالإجماع خلال الفترة من 6 إلى 9 سبتمبر 1982، بما أعطاه بعدًا عربيًا ودوليًا أوسع. وفي جوهره دعا المشروع إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، وإزالة المستوطنات، وتأكيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وقيام دولته المستقلة وعاصمتها القدس.
بهذا المعنى لم تعد مبادرة الملك فهد للسلام عنوانًا محفوظًا في الذاكرة السياسية فقط، بل صارت تبدو أقرب إلى أصل مبكر من أصول اللغة السياسية التي عاد العالم إلى استخدامها اليوم: إنهاء الاحتلال، قيام الدولة الفلسطينية، وتحويل السلام من شعار عام إلى مسار سياسي منظم. حتى الخطاب السعودي الرسمي المعاصر أعاد وصل هذا المسار بجذره التاريخي حين أكد وزير الخارجية السعودي في ديسمبر 2024 أن تمسك المملكة بالسلام خيار استراتيجي عبّرت عنه بوضوح منذ مبادرة الملك فهد للسلام عام 1981، ثم عبر مبادرة السلام العربية، وصولًا إلى إطلاق التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين.
مبادرة الملك فهد للسلام في لحظة عربية شديدة التعقيد
ظهرت مبادرة الملك فهد للسلام في لحظة عربية كانت مثقلة بالانقسام والارتباك. فبعد اتفاقية كامب ديفيد وتصاعد الخلافات العربية حول شكل الرد السياسي، بدا أن الساحة العربية في حاجة إلى مشروع جماعي يعيد ترتيب النقاش حول فلسطين على أسس أكثر تماسكًا. موقع «الفهد روح القيادة» يصف تلك اللحظة بوضوح، ويورد أن الأمير فهد كان واعيًا للمخاطر التي قد تنمو نتيجة الانقسام في الصف العربي، ولذلك سعى إلى رأب التصدع عبر خطة سلام عربية من ثماني نقاط تُعرض في فاس.
لم تكن قيمة مبادرة الملك فهد للسلام في مجرد توقيتها، بل في طبيعة ما حاولت فعله. فالطرح لم يأتِ باعتباره رد فعل عاطفيًا على تطورات الصراع، بل باعتباره محاولة لصياغة بديل عربي منظم يمكن الدفاع عنه جماعيًا. وفي هذا تظهر فرادة المبادرة؛ إذ لم تكن خطابًا تعبويًا، ولا إعلانًا رمزيًا عامًا، بل تصورًا سياسيًا قابلًا للتقديم على مستوى القمم العربية، ثم قابلًا لاحقًا للتحول إلى مرجعية تفاوضية أوسع. لذلك تبدو المبادرة، حتى في سياقها الأول، أكثر نضجًا من أن تُقرأ باعتبارها مجرد محطة عابرة في تاريخ المواقف العربية.
وقد انعكس هذا النضج في الطريقة التي صاغ بها المشروع الحقوق الفلسطينية داخل إطار سياسي واضح. المشروع مرتبط الأسس السعودية الثابتة حيال فلسطين، ويؤكد أن المشروع شدد على الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، وحق تقرير المصير، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. وهذا الربط بين الحق السياسي والمرجعية العربية الواسعة هو ما منح مبادرة الملك فهد للسلام وزنها الخاص منذ البداية.
نقلت القضية الفلسطينية إلى مشروع تسوية
ما يلفت النظر في مبادرة الملك فهد للسلام أنها لم تكتفِ بإعادة تأكيد عدالة القضية الفلسطينية، بل نقلت النقاش إلى مستوى المشروع السياسي المحدد. فالخطة تضمنت بوضوح الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967، بما فيها القدس العربية، وإزالة المستوطنات التي أقيمت بعد 1967، وتأكيد الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة. هذا التركيب جعل المبادرة تتجاوز لغة التضامن العامة إلى لغة تسوية سياسية تستند إلى حقوق واضحة وإطار قابل للطرح العربي والدولي.
من هنا بدت مبادرة الملك فهد للسلام مختلفة عن كثير من الطروحات التي أحاطت بالقضية الفلسطينية في تلك المرحلة. فهي لم تتخل عن الثوابت، لكنها لم تتوقف عند إعلانها فقط، بل حاولت تحويلها إلى نقاط يمكن أن تشكل أساسًا لسلام عادل. ولهذا السبب بالذات بقيت المبادرة حاضرة في الذاكرة السياسية العربية حتى بعد تعثرها الأول؛ لأنها قدمت تصورًا متكاملًا يربط الأرض بالحقوق والاعتراف بالسلام الشامل ضمن شروط محددة لا تلغي جوهر القضية.
وقد عززت القراءة اللاحقة هذا المعنى. فالموقع الرسمي للملك فهد يورد أن المشروع أصبح لاحقًا «مبادرة عربية تاريخية للسلام»، وأن تبني قمة فاس له أكسبه بعدًا عربيًا ودوليًا. كما ينقل عن ريتشارد ميرفي، وكيل وزارة الخارجية الأمريكية السابق، أن خطة عام 1981 سبقت زمانها وزمان كثير من اللاعبين على الساحة الدولية. سواء قُرئت المبادرة من داخل السياق العربي أو من خلال النظرة اللاحقة إليها، فإن صورتها الأساسية بقيت واحدة: مشروع تسوية سبق مراحل لاحقة من التفكير الدولي في القضية.
من طرح سعودي إلى مرجعية عربية
التحول الأهم في مسار مبادرة الملك فهد للسلام لم يكن في لحظة إعلانها الأولى، بل في لحظة انتقالها من طرح سعودي إلى مرجعية عربية أوسع. ففي قمة فاس الأولى عام 1981 لم يتحقق الاتفاق العربي الكامل حولها، وانتهت القمة إلى تعليق النقاش من دون تبنٍ نهائي، لكن المبادرة لم تختفِ، بل عادت في العام التالي إلى قمة فاس الثانية، وهناك أُقرت بالإجماع العربي. هذا الانتقال من التعثر الأول إلى الإجماع اللاحق جعل المبادرة أكثر من مجرد مشروع سعودي؛ جعلها أساسًا عربيًا مشتركًا للحديث عن التسوية.
وهنا يتضح لماذا بقي اسم مبادرة الملك فهد للسلام حاضرًا في كل نقاش لاحق عن المبادرات العربية. فحين تتبنى القمة العربية مشروعًا بهذا الحجم، فإنه يخرج من نطاق الشخصية السياسية التي أطلقته إلى نطاق الذاكرة السياسية الجماعية. ولهذا فإن الحديث عن المبادرة اليوم لا يُفهم بوصفه استعادة لمحطة سعودية منفردة فقط، بل بوصفه استعادة للحظة أصبح فيها الطرح السعودي جزءًا من البناء العربي العام تجاه القضية الفلسطينية.
كما أن هذا التحول منح مبادرة الملك فهد للسلام قدرة أطول على البقاء. فالمبادرات التي تظل محصورة في نطاقها الوطني أو الشخصي تفقد كثيرًا من أثرها بمرور الوقت، أما المبادرات التي تتحول إلى مرجعيات أوسع فتظل قابلة للعودة كلما عاد الملف نفسه إلى الواجهة. وهذا ما يفسر أن اسم المبادرة لا يزال يستعاد كلما تجدد النقاش حول حل الدولتين أو التسوية السلمية أو المرجعيات العربية للسلام. هذه النتيجة ليست مجرد قراءة لاحقة، بل تستند إلى حقيقة أن القمة العربية تبنت المشروع بالإجماع في سبتمبر 1982.
مبادرة الملك فهد للسلام وعودة حل الدولتين إلى الواجهة
عودة حل الدولتين إلى الواجهة خلال الأعوام الأخيرة أعادت معها مبادرة الملك فهد للسلام إلى دائرة النقاش، لكن ليس بالطريقة نفسها التي كانت تُستعاد بها في الأدبيات التاريخية المعتادة. الفارق هذه المرة أن العودة جاءت في سياق عملي متدرج: إطلاق تحالف دولي، عقد اجتماعات متتابعة، توسيع المشاركة الدولية، والسعي إلى نقل مسار التسوية من دائرة التأكيدات السياسية العامة إلى دائرة الخطوات التنفيذية. وقد أعلنت المملكة في سبتمبر 2024، بالتعاون مع شركائها، إطلاق التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين، ثم افتتحت الاجتماع الأول له في الرياض في 29 أكتوبر 2024.
ثم اتسع هذا المسار خلال 2025 و2026. فبيان سعودي فرنسي في ديسمبر 2024 أعلن أن السعودية وفرنسا ستترأسان المؤتمر الدولي الرفيع المستوى لتسوية قضية فلسطين بالوسائل السلمية وتنفيذ حل الدولتين، المقرر عقده في نيويورك في يونيو 2025، بهدف تبني إجراءات عملية تجاه التسوية السلمية وتنفيذ حل الدولتين. وبعد ذلك صدر في 17 يونيو 2025 بيان عن الرئاسة المشتركة السعودية الفرنسية للمؤتمر يؤكد استمرار العمل للوصول إلى التزامات دولية واضحة ومنسقة تعكس العزم على تطبيق حل الدولتين، كما رصدت وكالة الأنباء السعودية في يوليو 2025 اعتماد الوثيقة الختامية للمؤتمر بما نص على إنهاء الحرب في غزة والتوصل إلى تسوية عادلة ودائمة على أساس حل الدولتين.
وفي أكتوبر 2025 استضافت الرياض اجتماعًا تنسيقيًا رفيع المستوى للتحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين، ووصفت وكالة الأنباء السعودية هذا الاجتماع بأنه خطوة مهمة لتعزيز التنسيق بين المجموعة الأساسية للتحالف ووضع أسس برنامج عمل متكامل وقابل للتنفيذ. ثم جاء الاجتماع التاسع في بروكسل يوم 20 أبريل 2026 برئاسة مشتركة بين المملكة والاتحاد الأوروبي والنرويج، وبمشاركة ممثلي 83 دولة ومنظمة دولية، تحت شعار: كيف نمضي نحو السلام في أعقاب حرب غزة؟ بهذا أصبحت عودة حل الدولتين إلى الواجهة مقترنة ببنية عمل دولية متنامية، لا بمجرد تكرار دبلوماسي للمصطلح نفسه.
في هذه البيئة الجديدة تبدو مبادرة الملك فهد للسلام أكثر من مجرد خلفية تاريخية. فكلما اتسعت اللغة الدولية حول الدولة الفلسطينية وإنهاء الاحتلال والانتقال إلى السلام المنظم، بدا أن الطرح السعودي الذي ظهر في مطلع الثمانينيات لم يكن معزولًا عن حاضر اليوم، بل كان أحد جذوره المبكرة. وهذا لا يعني أن التحالف الدولي الحالي نسخة من مبادرة الثمانينيات، لكنه يعني أن كثيرًا من المعاني الأساسية التي يتحرك من أجلها اليوم كانت قد وجدت صياغتها السعودية الواضحة في تلك المبادرة.
بين زمن المبادرات وزمن التحالفات الدولية
بين زمن مبادرة الملك فهد للسلام وزمن التحالفات الدولية الجديدة تغيرت أشياء كثيرة، لكن بعض العناصر الأساسية بقي ثابتًا. في زمن الملك فهد كان التحدي الأكبر هو إنتاج رؤية عربية جماعية للسلام يمكن أن تواجه الانقسام، وأن تقدم للقضية الفلسطينية أفقًا سياسيًا واضحًا. أما اليوم فالتحدي لم يعد مجرد طرح الرؤية، بل بناء أدوات تنفيذية وتحالفات دبلوماسية قادرة على تحويل هذه الرؤية إلى برنامج عمل دولي. لهذا يبدو الفرق بين الزمنين فرقًا في الأدوات أكثر منه فرقًا في الجوهر.
في الثمانينيات كانت مبادرة الملك فهد للسلام تمثل محاولة لتثبيت المعاني الكبرى: الأرض المحتلة، الدولة الفلسطينية، القدس، والحقوق غير القابلة للتصرف. أما اليوم فإن الوثائق والبيانات الرسمية السعودية والأممية تتحدث بلغة إضافية تتعلق بالتحالفات، والالتزامات الدولية، والمؤتمرات الرفيعة، والجداول الزمنية، والإجراءات العملية. ومع ذلك يبقى الخيط الواصل بين المرحلتين واضحًا: لا سلام دائم من دون إنهاء الاحتلال، ولا استقرار من دون تجسيد الدولة الفلسطينية في إطار حل الدولتين.
وهذا هو ما يجعل مبادرة الملك فهد للسلام قابلة للعودة اليوم. فالمبادرات التي تفقد صلتها بالجوهر تختفي عادة عندما تتغير أدوات السياسة، أما المبادرات التي تلامس أصل المشكلة فتظل قادرة على استعادة معناها ولو اختلفت الصيغ من حولها. ولذلك يبدو الربط بين مبادرة الثمانينيات والتحرك الدولي الحالي ربطًا طبيعيًا: ليس لأن النصوص متطابقة، بل لأن جوهر المعضلة وجوهر المسار المقترح بقيا قريبين من بعضهما على امتداد العقود.
مبادرة الملك فهد للسلام في جذور الموقف السعودي من فلسطين
تاريخ الموقف السعودي من القضية الفلسطينية لا يبدأ مع التحالفات الدولية الراهنة، بل يمتد إلى ما هو أعمق بكثير، وداخل هذا الامتداد تحتل مبادرة الملك فهد للسلام موقعًا خاصًا. فالموقع الرسمي للملك فهد يربط المشروع بوضوح بالثوابت السعودية التي تقوم على الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني وحق تقرير المصير وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. هذا يعني أن المبادرة لم تكن التفاتة ظرفية، بل تعبيرًا منظمًا عن خط سعودي راسخ تجاه فلسطين.
كما أن الخطاب الرسمي السعودي الحديث أعاد هذا المعنى بوضوح. ففي ديسمبر 2024 قال وزير الخارجية السعودي في حوار المنامة إن المملكة متمسكة بالسلام خيارًا استراتيجيًا، وقد عبّرت عن ذلك منذ مبادرة الملك فهد للسلام عام 1981، ثم عبر مبادرة السلام العربية، وصولًا إلى إطلاق التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين. هذا الربط الصريح بين المبادرة التاريخية والتحرك المعاصر لا يترك مجالًا لقراءة المسار الحالي بوصفه استجابة منفصلة عن التاريخ؛ بل يضعه في سياق ممتد من الثبات السعودي في التعاطي مع القضية الفلسطينية.
ومن هذه الزاوية تصبح مبادرة الملك فهد للسلام أكثر من حدث تاريخي ناجز في وقته؛ تصبح حلقة مؤسسة في مسار ما زال يتطور. فعندما تقود السعودية اليوم تحركًا دوليًا لتنفيذ حل الدولتين، أو تشارك في رئاسة مؤتمرات عالية المستوى لتسوية القضية الفلسطينية بالوسائل السلمية، فإن هذا الحضور لا يبدو طارئًا، بل امتدادًا طبيعيًا لخط سياسي قديم حمله الملك فهد في مرحلة مبكرة ثم ظل يتجدد بأدوات العصر ومفرداته.
الخاتمة
مبادرة الملك فهد للسلام لم تبقَ في حدود أرشيف الثمانينيات، لأن الأسئلة التي حاولت الإجابة عنها لم تختفِ. وما عاد إلى الواجهة اليوم ليس مجرد تعبير دبلوماسي عن حل الدولتين، بل عودة لمسار سياسي يرى أن القضية الفلسطينية لا تُدار بالشعارات المفتوحة وحدها، وإنما تحتاج إلى طرح منظم، وإسناد عربي ودولي، وأدوات تنفيذية قادرة على تحويل المبدأ إلى واقع. هذا بالضبط ما جعل اسم الملك فهد يعود كلما تجدد الحديث الجاد عن التسوية.
وفي لحظة دولية تتكثف فيها المؤتمرات والتحالفات والالتزامات حول تنفيذ حل الدولتين، تبدو مبادرة الملك فهد للسلام كأنها تستعيد مكانها الطبيعي في صلب النقاش لا على هامشه. لم تعد مجرد محطة تاريخية تُذكر في سياق الاسترجاع، بل غدت واحدة من العلامات المبكرة التي تساعد على فهم كيف وصل هذا المسار إلى صيغته الراهنة، وكيف ظل الموقف السعودي يحمل خيطًا متصلًا بين المبادرة الأولى والتحرك الدولي الجديد.
